الديمقراطيون والجمهوريون في أمريكا

صحيفة الطائف الإلكترونية
منذ أسبوع
870

أدق تشبيه قرأته في التفريق بين الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي أن الفرق بينهما كالفرق بين مذاق البيبسي والكوكاكولا؛ وهذا إلى حد بعيد صحيح؛ الولايات المتحدة تحكمها مؤسسات، والقرار يتخذ خاصة في القضايا الداخلية من خلالها، أو على الأقل لا يمكن للرئيس تجاوز هذه المؤسسات، والمعيار المشترك بين كل المؤسسات كيف يمكن تحقيق المصالح الأمريكية والذود عن أمنها القومي؛ ومن هنا تبدأ المفاضلة بين التوجهات لتحقيق هذا الهدف. كما أن هذه المؤسسات لديها قدر واسع من المرونة إلى درجة الميكافيلية، فليس ثمة ثوابت لا يحيدون عنها على مستوى الممارسة الفعلية، وإن كانوا يدّعون خلال حملاتهم الانتخابية وجود مثل هذه الثوابت، إلا أن الواقعية السياسية تحتم عليهم في بعض الأحايين أن يتخلوا قليلاً أو كثيراً عن هذه المواقف.

نحن لا يهمنا القضايا الداخلية الأمريكية، بالقدر الذي يهمنا ممارساتها وسياساتها في منطقتنا وفي العالم. وهناك من يذهب إلى أن فترة حكم بايدن هي بمثابة فترة حكم ثالثة لأوباما، الذي سيكون الحاكم الفعلي من خلف الستار. وأنا لا أظن ذلك، فبايدن ديمقراطي معتدل، بينما أوباما أكثر يسارية، وهذا يعني أن قناعات بايدن سيكون لها الفيصل النهائي في المحصلة، خاصة أن ترامب الذي يمثل الحزب الجمهوري حظي بما يقارب سبعين مليوناً من أصوات الأمريكيين، وهذا رقم لا يمكن لبايدن إلا أن يأخذه بعين الاعتبار، خاصة أن بايدن وعد بالعمل على لم شمل الانقسام الحاد في المجتمع الأمريكي، وغاية كهذه الغاية ستجعله يتخذ قراراته التنفيذية ومن ضمن أهدافه رأي من يقفون على الضفة الأخرى من النهر، بينما أن هذا القدر من الانقسام لم يكن موجوداً في عهد أوباما.. أضف إلى ذلك جائحة كورونا وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، التي كلفت الاقتصاد الأمريكي أثماناً باهظة، وتعويضها يتطلب من بايدن أن تكون أولويته إصلاح ما خربته كورونا، وبالقدر نفسه الاستفادة من تجربة كورونا في خلق نظام صحي جديد يستطيع أن يحتوي مثل هذه الأمراض والأوبئة مستقبلاً.

ولعل من حسن حظ بايدن أن إحدى الشركات الرائدة في مجال الصناعات الدوائية قد أعلنت أنها توصلت إلى لقاح تم تجريبه سريرياً من شأنه الحماية من الفيروس بما يتجاوز 90 في المئة، وهذا خبر جيد لبايدن، من شأنه أن يُذلل أقسى الأزمات التي اكتنفت المجتمع الأمريكي، بل إن كثيراً من المحللين يذهبون إلى أن هذا الفيروس هو أهم الأسباب التي أطاحت بترامب وأوصلت بايدن إلى البيت الأبيض.

صحيح أن الانتخابات الأمريكية تهم الأمريكيين بالدرجة الأولى، لكنها تهم كذلك وبدرجة كبيرة كل دول العالم؛ يكفي لك أن تعرف أن نظام المبادلات المالية بين الدول يسيطر عليه الأمريكيون سيطرة تامة، بما في ذلك تبادلات الصين وروسيا، وهذا ما يجعل سياسيي العالم تنتفض فرائصهم خوفاً وهلعاً من العقوبات الاقتصادية الأمريكية، كما حصل لوزير خارجية لبنان السابق جبران باسيل مؤخراً.

بقي أن أشير إلى القضية التي تهمني، وكتبت عنها طوال العشرين سنة الماضية وهي قضية الإرهاب، والإسلام السياسي الذي خرجت من تحت عباءته وما تزال تخرج كل عمليات الإرهاب وثقافة الكراهية، وهذه نقطة في غاية الأهمية، وكل ما أخشاه ويخشاه كثيرون مثلي، أن يستطيع (المتحلقون) حول بايدن وإدارته من جمعيات الأمريكيين المتأسلمة التأثير عليه ودفعه إلى شيء من (التراخي) مع هذه الجماعات التدميرية، فقد ثبت بالتجربة أن الحزم، والحزم فقط، هو العلاج الفعال لاجتثاث هذه الظاهرة، وكلي أمل أن يأخذ من تراخي الفرنسيين مع هذه الجماعات الدموية عبرة، ولا سيما أننا نتذكر بشيء من الحرقة والألم مجريات الربيع العربي البائس الذي سانده الديمقراطيون في عهد أوباما، والذي ما زالت جروحه تنزف حتى الآن.

إلى اللقاء

نقلا عن الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى